صديق الحسيني القنوجي البخاري
531
فتح البيان في مقاصد القرآن
وما قيل : إن إدريس قبل نوح فقال ابن العربي : إنه وهم ، قال المازري : فإن صح ما ذكره المؤرخون كان محمولا على أن إدريس كان نبيا غير مرسل . فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي اعبدوه لأنه لم يكن لكم إله غيره حتى يستحق منكم أن يكون معبودا إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن عبدتم غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ جملة متضمنة لتعليل الأمر بالعبادة والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الطوفان ، وإنما قال أخاف على الشك وإن كان على يقين وجزم من حلول العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعرف وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة . قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الملأ أشراف القوم ورؤساؤهم ، وقيل هم الرجال سموا بذلك لملأتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي أو لأنهم يملؤون العيون أبهة ، والصدور هيبة ، والجمع املاء مثل سبب وأسباب وقد تقدم بيانه في البقرة . إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الضلال العدول عن طريق الحق والذهاب عنه يقال ضل الرجل الطريق وضل عنه يضل من باب ضرب ضلالا وضلالة زل عنه فلم يهتد إليه فهو ضال هذه لغة نجد ، وهي الفصحى ، وبها جاء القرآن في قوله : إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي [ سبأ : 50 ] ، وفي لغة لأهل العالية من باب تعب . والأصل في الضلال الغيبة ومنه قيل للحيوان الضائع ضالة بالهاء للمذكر والمؤنث ، والجمع الضوال مثل دابة ودواب أي إنا لنراك في دعائك إلى عبادة اللّه وحده في ضلال عن طريق الحق وخطأ وزوال عنه بين ، والرؤية قلبية . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 61 إلى 62 ] قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ كما تزعمون ، وهي أعم من الضلال فنفيها أبلغ من نفيه وَلكِنِّي رَسُولٌ جاءت لكن هنا أحسن مجيء لأنها بين نقيضين لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين ، ضلال وهدى ، والرسالة لا تجامع الضلال . و مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ صفة لرسول ، ومن لابتداء الغاية المجازية أي أرسلني لسوق الخير إليكم ودفع الشر عنكم ، نفى عن نفسه الضلالة وأثبت لها ما هو أعلى منصب وأشرف رفعة وهو أنه رسول اللّه إليهم . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي جمع الرسالة لاختلاف أوقاتها ولتنوع معانيها أو لأن المراد بها المرسل به ، وهو يتعدد أي ما أرسله اللّه به إليهم مما أوحاه إليه وَأَنْصَحُ لَكُمْ يقال نصحته ونصحت له ، وفي زيادة اللام دلالة على المبالغة في إمحاض النصح ، قال الأصمعي : الناصح الخالص من الغل وكل شيء خالص فقد نصح ،